ابو البركات
12
الكتاب المعتبر في الحكمة
الأفلاك والكواكب في معنى الجسمية التي هي الامتداد القابل للتقدير في الجهات المتقابلة فترى الجسم هيولى أولى وموضوعا أولا لسائر الموجودات المحسوسة فتسميه هيولى أولى باعتبار الكائنات الفاسدات الحاصلة منه وموضوعا بقياس الأحوال المختلفة الحاصلة فيه القارة منها والمتجددة المتبدلة واعتبر في هيوليته وموضوعيته مجرد معنى جسميته دون غيرها مما يوصف به بقياس بعضه إلى بعض من عظم وصغر وطول وقصر وعرض وضيق أو مما هو موجود فيه وله بذاته من بياض وسواد وما عدا هذا . وافهم من العظم والصغر والطول والقصر والعرض والضيق التقديرات الإضافية التي تكون للأجسام « 1 » بقياس بعضها إلى بعض لان تلك هي التي تتبدل وتختلف باختلاف النسب حتى يكون الواحد في نفسه وبحالته الواحدة عظيما صغيرا طويلا قصيرا بالقياس إلى ما هو أعظم وأصغر وأطول واقصر وإلا فكل جسم عظيم وطويل وعريض وعميق ولو كان في قدر الخردلة فاعلم ذلك واعرف الهيولى الأولى وما بعدها من الهيولات القريبة والبعيدة والمتوسطة . فهذا أصل موضوع في هذا العلم وقد قيل إن الهيولى الأولى غير الجسم وانها لا مقدار لها ولا نعنى بالمقدار الإضافي كما قلنا بل سلب عنها معنى المقدارية القابلة للانقسام الفرضي والوجودي وقيل إنها شيء يتصور في الأذهان ولا يحس في الأعيان وهي الهيولى لهذا الجسم الذي ذكرناه . وذلك لما اشتبه عليهم من كلام الأقدمين الواضعين لهذا الاسم حيث قالوا لا مقدار لها ولا شكل ولا صفة من ثقل وخفة ولا موضع من فوق أو تحت فإنما عنوا بذلك انها بمجردها لا يتعين لها مقدار معين هو أعظم من آخر أو أصغر أو ضعف أو نصف ولا صفة من الصفات المعينة من خفة أو ثقل فإنه لا شئ لها من ذلك بذاتها ولا يدخل في معنى ذاتها إذ لو كان من ذلك شئ لها بذاتها لعمها بأسرها واستحال استبدالها به وزواله عنها فإنه لو كان قدر شبر في شبر ذاتيا أو لازما للهيولي التي هي الجسم بذاتها لكان كل جسم شبرا في شبر لا يزيد ابدا ولا ينقص
--> ( 1 ) سع - في الأجسام .